بعدَ تبرعِه بكلِّ مصاريفِ الدفنِ والعزاءِ والتصليحاتِ اللازمةِ للمسجدِ في كيبك صاحبُ سلسلةِ مطاعمِ “برامونت” الاستاذُ محمد فقيه “لصدى المشرق”: ما قمْنا به هوَ ما تربَّيْنا عليه وما أمرَنا به دينُنا وما علمَّتْنا إياه كندا (الجزء الأول)

 

صدى المشرق ـ تورنتو

بُعَيد العدوان الارهابي الذي استهدف المصلين في مسجد سانت فوا في مدينة كيبك تحركت مبادرات انسانية متعددة لمساعدة الضحايا وتضميد الجراح التي نزفت. أسرعُها كانت المبادرة التي قام بها الاستاذ محمد فقيه صاحب سلسلة مطاعم “برامونت”، الذي عرض سريعا أن يتبرع بكل مصاريف الدفن والعزاء والتصليحات اللازمة للمسجد من خلال “جمعية الغوث الإسلامية”

(Islamic Relief)

كما قال لنا في مقابلة أجريناها الاسبوع الفائت. هذه المبادرة كان لها وقع إيجابي جدا على ذوي الضحايا والمجتمع الكندي، ويقول فقيه: “تقبل المجتمع الكندي مسألة تبرعنا قبولا حسنا، حتى أن بعض الناس أخذوا يرسلون “شيكاتهم” إلى مكاتبنا ومحلات  “برامونت”.

للوقوف على هذه المبادرة وتسليط الضوء عليها كان هذا الحوار مع الاستاذ فقيه، الذي اكد: “في ظرف انساني طارئ كهذا، على الانسان أن يساعد ويعطي، وما أجمل أن تعطي! فبالعطاء يشعر الانسان بإنسانيته، وهذا البلد الكريم أعطانا الكثير وساعدنا، ونحن كجالية علينا واجب العطاء والتكافل والتضامن، ومن ليس باستطاعته المساهمة ماليا فعليه المساعدة بالعمل التطوعي: أن يعطي من وقته وأن يعطي من جهده وعلمه”.

يذكر أن انطلاقة “برامونت ” بمطعم واحد  جاءت عام 2007. وقبل نهاية هذا العام، أي 2017، ستكون سلسة مطاعم البرامونت قد ضمَّت قرابة 65 مطعما في المقاطعات الكندية الكندية مثل أونتاريو وألبرتا وكيبك. يضاف اليها فروع في باكستان وبريطانيا وبيروت وأمريكا واتفاقيات للعمل قريبا في ساحل العاج والعراق. يعمل في “برامونت” اكثر من 1400 موظف. وهناك نية لمشاريع مستقبلية للتوسع بشكل أكبر في كيبك بحسب فقيه.

أستاذ محمد فقيه كيف تلقيتم نبأ المجزرة المروعة التي استهدفت هذا المسجد في مدينة كيبك؟

في ذاك النهار كنت في طريق عودتي الى المنزل. واتصلت بي زوجتي واخبرتني بما حدث، فقلت لها انني استمع إلى الأخبار التي تتحدث عن العمل الارهابي. وقد أبدَت قلقها وخوفها بحكم أن أولادنا يتعلمون في مدارس الجالية، ونحن نداوم على الحضور في المسجد، وأعمالنا التجارية ترتكز على التعامل مع المؤسسات الاسلامية التي تعنى بالمأكولات الحلال، وزبائننا في معظمهم من الجالية العربية والاسلامية. زوجتي كانت قلقة من الوضع برمته، مما آلت اليه الأمور، ومن جو الكراهية الذي يتصاعد يوما بعد يوم ضد الجالية العربية والاسلامية، وتأثير هذا الجو على مستقبل أبنائنا في هذا البلد.

عندما دخلت المنزل، بادرني ابني الصغير عماد بالسؤال حول ما يحدث، وكانت أسئلته محرجة من قبيل “هل لأننا مسلمون هم يتعاملون معنا على هذا النحو؟ لماذا هاجموا المصلين في المسجد”؟ كان من الصعب على أب أن يجيب ابنه عن هذه الأسئلة، خاصة أننا نتغنى دائما أن كندا بلد يحترم الأديان ويضمن حرية المعتقد. لقد شرحت جاهدا لابني أن نسبة قليلة من المسلمين في العالم تقوم بأعمال لا تمت الى الاسلام بصلة، فيُصار الى تضخيم ما يقترفونه في الاعلام العالمي بقصد تشويه صورة الاسلام والمسلمين.

هذه الصورة المشوهة للاسلام والمسلمين تعمل عليها بعض وسائل الاعلام من أجل ترسيخ فكرة في الرأي العالمي مفادها أن دين المسلمين يحرّض على العنف والقتل ولا يتقبل الآخر. ولا يشرحون لهذا الرأي العالمي أن هذه النسبة الضئيلة من المسلمين لا تمثل المسلمين، وافعالهما لا تعكس مفاهيم الدين الاسلامي، وبالتالي الذي شرحته لابني عماد هو انه كما يوجد لدينا نحن المسلمين فئة تعمل على عكس ما يريده الاسلام ففي المجتمع الكندي هناك نسبة ضئيلة جدا من الأشخاص الذين  يتصرفون بعكس القيم الكندية القائمة على التسامح وتقبل الآخر، وهذا لا يعني أن كل كندا على صورة هؤلاء الأشخاص، ونحن هنا كجالية محل اختبار وامتحان لما نتعرض له، وعندما نتعرض لمصاب كبير كالذي حدث في مدينة كيبك، قبل كل شيء علينا أن نتوكل ونستنجد بالله، فهو المعين الذي سيمنحنا القوة لكي نتخطى هذه المأساة. علينا أن نسأل أنفسنا ما هو الدور الذي علينا القيام به لنتحول من السلبية الى الايجابية، هذا ما شرحته لإبني.

من حق البعض أن يُصدم بما حصل وأن يعيش الحزن لأيام عدة، لكن الأجدى والأنفع هو ايجاد الحلول، على سبيل المثال، لمشاكل دفن الضحايا، وإقامة مجالس العزاء، وحلول لمشاكل اليتم التي ستواجه أيتام عائلات الضحايا. هنا تدخلت زوجتي لتسألني عما يمكن أن نفعله. فقلت لها بكل بساطة من واجبنا أن نساهم ماليا لكي نساعد على اقامة العزاء ودفن ضحايا العمل الارهابي ومساعدة عوائل الايتام، وعلى هذا الاساس قمت بالاتصال “بجمعية الغوث الإسلامية”، وقد أخبروني بأن الكثير من الناس بدأ يتصل بغرض التبرع بالمال، ووعود التبرع وصلت الى مبلغ ٧٠ ألف، لكن عمليا حتى حينها لم يصلِ الجمعية شيء.

عندما علمت هذا، طلبت منهم أن يسألوا امام المسجد إن كان يقبل أن أتبرع بكامل مصاريف الدفن والعزاء والتصليحات اللازمة للمسجد، فوافق، و بعدها اقترحوا علي اصدار بيان صحفي بمسألة التبرع والتكفل بكل المصاريف. رفضت هذا في البداية لأن هدفي كان عمل الخير والمساعدة، لا الشهرة، لكنهم اقنعوني ان البيان الصحفي سيحث الكثير من الناس على العمل بالمثل، أي التبرع والمساعدة. وهكذا كان، فانتشر الخبر سريعا.

الجمهور الكندي تقبل مسألة تبرعنا قبولا حسنا، حتى أن بعض الناس أخذوا يرسلون “شيكاتهم” إلى مكاتبنا ومحلات  “برامونت”. بعدها طُلِب منا عدد من المقابلات الصحافية وكنت على سفر الى دبي، فقبلت باجراء مقابلتين فقط. بالنهاية، ما أريد أن أقوله: في ظرف انساني طارئ كهذا، على الانسان أن يساعد ويعطي، وما أجمل أن تعطي! فبالعطاء يشعر الانسان بإنسانيته، وهذا البلد الكريم أعطانا الكثير وساعدنا، ونحن كجالية علينا واجب العطاء والتكافل والتضامن، ومن ليس باستطاعته المساهمة ماليا فعليه المساعدة بالعمل التطوعي: أن يعطي من وقته، وأن يعطي من جهده وعلمه. العطاء له أبواب متعددة.

بالخلاصة أعتقد أن الجالية كانت على مستوى هذا الامتحان، وقد نجحنا بتخطيه سويا، بل أعطينا مثلا للتعاضد واللُّحمَة والتكاتف، وهذا ما يرفع الرأس عاليا.

صدى المشرق

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع من كندا الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها

Facebook Comments