جرائم داعش المتنقلة … من المسؤول؟

لوحة لأنطوان ويردز تصوّر حالة رجلٍ دُفِن حيًّا، المصدر: By Antoine Wiertz - http://www.bc.edu/bc_org/avp/cas/fnart/art/wiertz.html, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=1433881

لوحة لأنطوان ويرتز تصوّر حالة رجلٍ دُفِن حيًّا، المصدر:
By Antoine Wiertz – http://www.bc.edu/bc_org/avp/cas/fnart/art/wiertz.html, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=1433881

حسين الهاشمي

لقد كتبنا مرارا وقلنا أن كل التطمينات التي اعطيت للحكومات الغربية من قبل الحكومات الشرق اوسطية، التي أسست وموّلت وجهزّت داعش، بأن الغرب لن يستهدف داعش كانت كاذبة ومضللة، وبأقل التقادير غير دقيقة. هذا لو احسنا الظن بتلك الحكومات الشرقية.

ولكن كيف لنا ان نحسن الظن بحكومات ديكتاتورية اعمتها الأحقاد الطائفية وشغلتها محاولات اثبات الذات، معتمدة على كونها حليفة للغرب، تحظى بدعمه وتأييده مهما تعمقت في ديكتاتوريتها واوغلت في انتهاك حقوق شعوبها؟ فراحت تنتهك سيادة دول وتموّل كل انسان تخلى عن انسانيته وتحول الى مسخ مشوه يشابهها بالفعل، فلم ترَ ضيرا مِن ان مَن يقطع الرؤوس ويأكل الاكباد ويغتصب النساء ويذبح الاطفال! يجب ان يحظى بالتأييد والدعم و المساعدة!

لقد قيل للحكومات الغربية إن هذا التنظيم لديه مهمة واحدة في سوريا والعراق ولبنان واليمن، هي القضاء على المسلمين الشيعة، وبالتالي لا بد من الموافقة على اجرام داعش لانها بالحد الادنى لا تمس أمن الدول الغربية ولا مصالحها. أما من جانبنا فقلنا وكتبنا أن العداء للمسلمين الشيعة لا يعني تأييد داعش لأن موقفاً كهذا سيكون مردوده سلبيا وثمنه باهظا، فنحن نعلم بحقيقة عقيدة داعش المعادية للجميع والرافضة للكل.

لكن تفاني المحللين (الذين ينتظرون العطايا) ومراكز الدراسات و البحوث (التي تبحث عن التمويل) في اعطاء التحليلات وتقديم الدراسات التي تثبت ان داعش وتفرعاتها ثوارٌ من اجل الحرية، وأن هؤلاء لن يشكلوا خطرا على المجتمعات الغربية جعل الحكومات الغربية تبلع الطعم وتتغاضى عن كل الجرائم الوحشية والهمجية التي ارتكبها هؤلاء المسوخ، إذ كانوا يتفاخرون بتصويرها وعرضها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي. لكن الغريب ان هذه الحكومات تغاضت حتى عن استهداف اخواننا المسيحيين في الشرق، فلم يكن ذنبهم الا انهم يتقاسمون العيش مع الشيعة في مدن وقرى وارياف، واقصى ما فعلته الحكومات انها فتحت باب الهجرة واللجوء لهم دون ان تضغط على الدول الداعمة لداعش كي توقف تأييدها ودعمها وتمويلها للقتلة.

ترى هل كان العالم بحاجة الى تحالف دولي لمحاربة داعش لو ان الرئيس الامريكي قد تفاعل وتعامل واوقف اسباب التطرف التي ذكرها في المقابلة التي نشرتها صحيفة ذي اتلانتك، وهي معلومة عنده منذ سنين وليس الآن؟ هل لان الكيل قد طفح، وقد ضاق ذرعا بحلفائه الذين نكثوا وعودهم بخصوص ابتعاد داعش عن الغرب؟ ترى ماذا الذي جعل نائب الرئيس الامريكي ينتقد حلفاء امريكا؟ فهو قال في جامعة هارفرد: “همهم الوحيد هو إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، فخاضوا حربا بالوكالة بين السنة والشيعة، وقدموا مئات ملايين الدولارات وعشرات آلاف الأطنان من السلاح لكل من وافق على القتال ضد الأسد. لكن الناس الذين حصلوا على المساعدة كانوا مقاتلي جبهة النصرة والقاعدة وعناصر متطرفة قادمة من مناطق أخرى في العالم”، موجها التساؤل للحاضرين بالقول “أتعتقدون أنني أبالغ؟ أنظروا بأنفسكم إلى النتيجة”.

لطالما كتب الكثيرون منا ونبهوا الى ان داعش وإن كان السبب في تأسيسها هو حلم ابادة المسلمين الشيعة في الشرق الاوسط، إلا انها ستتحول الى وحش خارج السيطرة، والذين يُسمح لهم بالسفر من خارج اوطانهم الغربية سيعودون اليها وهم مشبعون بروح الاجرام والقسوة والوحشية والهمجية، ولكن لم يسمع احد وكان من كان. وها هي بروكسل تصحو على جثث الابرياء الذين لا ذنب لهم الا انهم كانوا يعيشون انسانيتهم، فيما عاش الداعشيون همجيتهم ووحشيتهم، فمن المسؤول ؟ انها السنن الطبيعية في انك لو تركت طفلك يعتدي على الآخرين ولم تمنعه وتردعه، فانه سيصفعك يوما ويركلك امام الناس، وهذا ما فعلته داعش.

ترى، الم يحِن وقت محاسبة الذين قدموا الاستشارات والنصائح والافكار التي توحي أنّ استهداف الشيعة هو صراع سني شيعي، وكل حلفائنا سنة، فلا داعي لتخريب العلاقة السياسية والاقتصادية والتجارية معهم؟ وبالتالي تغاضت الحكومات واهملت الاجهزة الامنية مراقبة مراكز التطرف والحقد والكراهية، فبقي المؤيدون لداعش ينتظرون الفرصة ليقتلوا مواطنيهم الابرياء، لا لشيء إلا لأن تنظيمهم الارهابي يواجه الخسائر في سوريا و العراق واليمن. وهل هي حقيقة ان تعجز كل اجهزة المخابرات ومراكز الدراسات الاستراتيجية والامنية و العسكرية عن معرفة عقيدة داعش وماهيتها ومن يدعمها، وكل مراكز التحريض والمساندة والتأييد التي تحظى

بها، وبالتالي التعامل معها قانونيا كونها تنشر الفوضى وتخل بالامن وتنشر التطرف وتثير الحقد وتبث الكراهية؟ ام ان هناك اهدافاً اخرى تجعل التعامل معها بطيئا رغم كلفته البشرية العالية من ارواح الابرياء؟

التجمع لذكرى ضحايا الإرهاب في بلجيكا. تقول الرسائل المكتوبة بالطبشور: "بروكسل جميلة، أوقفوا الحرب، أوقفوا العنف، الاتحاد، الانسانية". المصدر: By Miguel Discart on Flickr : https://www.flickr.com/people/miguel_discart_vrac/ - https://www.flickr.com/photos/miguel_discart_vrac/25996680045/, CC BY-SA 2.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=47694114

التجمع لذكرى ضحايا الإرهاب في بلجيكا. تقول الرسائل المكتوبة بالطبشور: “بروكسل جميلة، أوقفوا الحرب، أوقفوا العنف، الاتحاد، الانسانية”. المصدر:
By Miguel Discart on Flickr : https://www.flickr.com/people/miguel_discart_vrac/ – https://www.flickr.com/photos/miguel_discart_vrac/25996680045/, CC BY-SA 2.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=47694114

أليس غريبا ان كل الدول الشرق اوسطية حليفة الغرب لم تشهد اعتداءات داعشية رغم ان اغلب مجرمي داعش هم من ابنائها او يحصلون على الدعم التسليحي و المالي والسياسي منها؟ فاذا كانت تبرر خلوها من داعش بسبب نباهة وذكاء وحزم اجهزتها الامنية، فأين هذه الاجهزة المقتدرة من سفر الآلاف من مواطنيها للانضمام الى داعش، ولماذا لم تمنعهم؟

ليس معيبا ان يعترف الانسان بخطئه وسوء تقديره، وبالتالي تصحيح موقفه، ولكن لا بد من محاسبة من اعطى الاستشارة الخاطئة و التحليل المغلوط عن عمد، اما ارضاءً لهواه ومصالحه الشخصية او محاولة لزيادة حسابه المصرفي. فما قام به كان ثمنه باهظا من ارواح الابرياء واختلال في الامن، وقد آن الاوان لأن تتحكم الوطنية و الانسانية والاخلاق باتخاذ الموقف السليم من الاحداث، وان يقال للحلفاء إن الارهاب والاجرام والخديعة وإزهاق الارواح لن يرفع من شأن أيّ دولة ولن يزيد من اهمية أي حاكم او رئيس .

فهل ستصحح الحكومات حساباتها الخاطئة لتحفظ الامن والاستقرار؟ وهل ستتوقف عن الاعتماد على استشارات وتحليلات من اثبتوا انهم ليسوا اهلا للاستشارة واعطاء الرأي؟ اليس كافياً هذا الكم الهائل والمخيف من ازهاق ارواح الابرياء وتعكير الامن والاخلال بالاستقرار وبث الحقد والكراهية بين الناس؟

اللهم اجعل هذا البلد آمنا.

صدى المشرق

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع من كندا الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها

Facebook Comments