حادثةُ كيبيك تعيدُ فتحَ الملفاتِ القديمةِ حولَ الرموزِ الدينيةِ (الجزء الثالث)

No Comment
Headlinesجاليةدوليكندا
316
0

بينَ الإسلامِ المتطرفِ والاسلاموفوبيا، أين يقفُ المسلمُ الحقيقيُّ؟

حبيب زعرور

الرأيُ المعاكسُ

في العدد الماضي استعرضنا بعضاً من الآراء التي رحبت بما قام به المواطنون والسلطات العامة إزاء المحنة الأليمة التي حلت بضحايا مجزرة كيبيك، فاعتبرتها خطوة في الطريق الصحيح لإيجاد أجواء ملائمة للعيش المشترك. وإن كان هذا هو الوجه المشرق لرؤية الوضع، فإننا سمعنا طيلة الأيام الماضية أصواتاً معاكسة قد يكون من النفع استعراض البعض منها استعراضاً سريعاً للعلم، ثم متابعة مجريات الأحداث على أكثر من صعيد.

ففي مطلع شهر شباط (فبراير) الجاري، النائب السابقة، مغربية الأصل، فاطمة هدى بيبان، التي يعتبرها البعض عدواً لدوداً للحزب الليبرالي في كيبيك وقد خدمت في صفوفه أكثر من عشرين عاماً، أطلقت صرخة من القلب، تعقيباً على حادثة كيبيك المؤلمة، مطالبة رئيس وزراء كيبيك بالتصرف، متسائلة هل يكفي الكلام عن التسامح والاحتواء، دون أفعال مقابلة؟ فهي ترى أن تسهيل فرص العيش المشترك بين المهاجرين والمجتمع المضيف يقتضي التقليل من حالات البطالة بين صفوف المهاجرين، ومحاربة التشدد و”التطرف” الديني، وتحقيق العلمانية الشاملة للدولة، وهي أمور فشلت حكومة كويار، برأيها، في تحقيق أي منها، فهي تعتمد استراتيجية “الحزبية” على المدى القريب، التي تضمن أصواتاً أكثر في صناديق الانتخابات.

وترى النائب السابقة أن الحزب الليبرالي الموجود في الحكم منذ ثلاث سنوات لم يفعل أي شيء لمساعدة الأقليات في تخطي مشاكلها، فالدولة عادة هي رب العمل الأول في البلاد، وبيدها الحلول الناجعة لمساعدة العاطلين عن العمل أو الباحثين عنه، مضيفة أن الحكومة الليبرالية لا تبحث عن ايجاد الحلول ولا تسعى لتحديد الهوية الوطنية وحيادية الدولة، بل تعمل على تعميق الهوة بين أبناء الوطن الواحد.

وبرأي النائب الليبرالية السابقة على السياسيين العودة إلى منطق العقل في محاكاة مشاكل المواطنين، لا الاختباء خلف خطابات مسبقة الصنع من انتاج مكاتب العلاقات العامة التي تخدم الأحزاب ومصالحها الضيقة. وفي مناسبة أخرى، شككت فاطمة هدى بيبان بالتصريح المتناقض للفيلسوف تشارلز تايلر، الذي ينقض فيه اقتراحه السابق بوجوب منع ارتداء الرموز الدينية لأصحاب السلطة المباشرة كالقضاة ورجال الشرطة وذوي المراكز العليا المؤثرة، فهي ترى في هذا المنعطف خدمة رخيصة لتوجهات رئيس الحكومة بالسماح بارتداء الرموز الدينية دونما قيد. بالطبع آراء النائب السابقة لا تعجب الكثيرين، إلا أنها تلقى آذاناً صاغية لدى شريحة واسعة من أبناء المجتمع الكيبيكي كونها هي نفسها عربية الأصل ومسلمة المذهب.

هكذا هي حال الصحفية الناشطة والكاتبة السياسية جميلة بن حبيب الجزائرية الأصل، المعروفة بمواقفها المعارضة للإسلام “الأصولي المتطرف”. ففي رسالة نشرتها على صحفتها في موقع التواصل “فايسبوك” انتقدت بن حبيب رد فعل السياسيين في كيبيك على حادثة القتل الأليمة، فقد تصرفوا، دون مسئولية، لخدمة أغراض انتهازية لكل منهم، معتبرة أن ما تم في الأسبوع الذي تلى الحادثة، هو في الواقع “أسلمة” للديمقراطية في كيبيك، ومتمنية لو أن السياسيين قد استغلوا المناسبة لتعريف رجال الدين الذين التقوا بهم بالمعنى الحقيقي للديمقراطية في المجتمعات الغربية، التي تفترض التباعد بين السياسة والدين، وذلك من أجل حماية الديانات من مخاطر ومصالح السياسة، التي تكرّس في آن معاً حرية التعبير والحريات الشخصية الأخرى. السياسيون، برأيها، تصرفوا خلافاً لذلك، فأطلقوا الوعود، لا شيء غيرها، سعياً للأصوات الانتخابية، مستخدمين الخطاب الديني الذي لا يتناسب مع التنوع والتعددية في المجتمع المحلي، وبالتالي لا يحاكي كل المواطنين فيه، الذين يفترض أنهم يمثلونهم.

كما انتقدت تغطية وسائل الاعلام الكندية الحدثَ الأليم. واعتبرت بن حبيب الحادثة جديرة بالوقوف عندها وتحليلها لفهم مسبباتها، متسائلة أهي مجرد حادث فردي هامشي أم أنه فعل يجسد حقيقة الكراهية العميقة تجاه المسلمين؟ وهل مرتكب الجريمة “ذئب وحيد” أم هو الوجه القبيح “للإرهاب الكيبيكي” الذي يقتات من العنصرية الممنهجة ومن الاسلاموفوبيا؟ وتنحو بن حبيب باللائمة على رجال الدين المسلمين، الذين لم يستغلوا المناسبة ليسمعوا العالم استنكاراً للحوادث المؤسفة المشابهة التي سبق أن وقعت في أكثر من مكان بِاسم الاسلام وراح ضحيتها أبرياء كثر.

البعض ذهب لتأييد صرخة الانذار التي أطلقتها بن حبيب للتنبيه من تصاعد التيارات الاسلامية المتطرفة، والبعض الآخر رأى أنها حبيسة ماضٍ أسود عاشته أيام طفولتها في الجزائر، وهي غير قادرة على التخلص منه. البعض يتساءل عن الاسلام “المعتدل” وعن موقفه “غير الواضح أو المعلن” من الاسلام “المتطرف”، وما يُرتكب من مآسٍ باسم الدين. حتى على صعيد التنظيمات الجماعية لم تتردد مثلاً الجمعية الكيبيكية لشمال أفريقيا من أجل العلمانية

(AQNAL)

التي تمثل مواطنين من دول شمال إفريقيا ذات الغالبية العربية المسلمة، في الكتابة الى وزيرة العدل متسائلة عن العدد المتزايد من طلبات “التسويات” الدينية الملحة والصادرة من قبل “جماعات عقائدية أصولية تسعى لفرض طريقة الحياة الخاصة بها، التي عفا عليها الزمن”. وتضيف الجمعية أن هناك جهلاً متأصلاً ومزمناً بحقيقة الاسلام. كثيرون باتوا يتساءلون عن “الاسلام المعتدل”، وهو للأسف “الاسلام الصامت الذي لا يستنكر الأصولية والتطرف” وفي الوقت نفسه لا يعترف بوجود الاسلاموفوبيا، دون أن يجرؤ على البوح بذلك، وهذا ما يسود أوساط المسلمين المعتدلين.

يحاول العديد من سكان البلاد أو المقيمين فيها منذ عقود متعددة أن يتذكروا الثورة الهادئة التي شهدتها مقاطعة كيبيك في ستينات القرن الماضي، التي أبعدت “بهدوء” الكنيسة ورجالها عن التدخل في شؤون الحكم والدولة، ويخشون أن تسعى اليوم جماعة من المتطرفين المتدينين لاستغلال الفراغ “الديني” الحاصل في كيبيك خاصة، لصالح مخططاتها بفرض التسويات التي تخدم هذه المصالح، ويأخذ كثيرون على الحكومة والطبقة السياسية التراخي والتساهل في التعامل في هذا الشأن دون أن تبصرا خطورته على المدى البعيد أو أن تحاولا الحد منه، من أجل مطامع أو مكاسب انتخابية سياسية رخيصة. وما يحصل في كيبيك يتزامن مع ما تشهده أوتاوا العاصمة الفدرالية، فهناك جدل واسع يدور تحت قبة البرلمان، يسعى فيه فريق من النواب إلى فرض مذكرة محاربة الاسلاموفوبيا (مذكرة الاقتراح 103)، بحجة محاربة الكراهية وكل أشكال العنصرية التمييز الديني الممنهج.

بينما يسعى فريق آخر، سبق له الموافقة على المذكرة قبل حادثة كيبيك، الى الحيلولة دون ذلك خشية أن تكون تلك المذكرة مدخلاً سهلاً للحد من حرية التعبير، على اعتبار أن أي نقد يوجه للإسلام أو المسلمين سيعتبر جريمة يعاقب عليها، وبالتالي لن يحد النظام الجديد من الاسلاموفوبيا فحسب، بل سيحد من حرية التعبير والانتقاد بصورة عامة لكل ما له صلة بالإسلام أو المسلمين. من هنا كانت ضرورة ايجاد تعريف دقيق وواضح لمعنى الاسلاموفوبيا والمقصود منها تحديداً.

د. حسان جمالي

الدكتور حسان جمالي، أستاذ سابق وكاتب متخصص في شؤون الإسلام، يعتبر حادثة كيبيك أمراً مؤسفاً ومثيراً للخوف والقلق في آن معاً، فهي بالتأكيد من الحوادث التي لم نعتَدْ عليها في كندا، وهو يرى أن المقصودين بها ليسوا المسلمين أو الاسلام بشكل خاص، وإنما المهاجرين واللاجئين بشكل عام. فمرتكبها، حسب ما أُعلن حتى الآن نقلاً عن صفحته على موقع التواصل الاجتماعي وعن معارفه، ذو ميول يمينية متطرفة، من المعجبين بالرئيس الأميركي ترامب والمرشحة اليمينية الفرنسية لوبين، ومن المشددين على الهوية القومية ومعارضي المهاجرين واللاجئين بصورة عامة. لماذا إذاً الاعتداء على مسجد إسلامي؟ يجيب الدكتور جمالي أن الاختيار تم لأسباب جغرافية بَحت كونَ القاتل يعيش في المنطقة التي يقع فيها المركز الاسلامي في كيبيك، وربما لأن المغاربة هم المهاجرون الأكثر ظهورا اعلاميا.

وفي لقاء اذاعي مع راديو كندا بالعربية اتهم الدكتور جمالي وسائل الاعلام التي ركزت كثيراً في الأيام الأخيرة على الاسلام والاسلاموفوبيا، وهو يخشى من أن تستغل الجماعات “الاسلامية” المتشددة أجواء الانفتاح الحالية لتبدأ باستعراض لائحة المطالب التي تبدأ بالتصويت على مذكرة محاربة الاسلاموفوبيا، دون تحديد واضح لمفهوم الاسلاموفوبيا ومعناها الحقيقي، وصولاً الى أغراض بعيدة مخبأة، منها كم الأفواه المعارضة أو المهاجمة والمنتقدة كل ما له علاقة بالإسلام كدين خاضع للنقاش وتعارض الآراء. كما يرفض الجمالي القول بوجود “عنصرية ممنهجة” في كيبيك، فكل المجتمعات فيها عنصرية، حتى المستهدفون بالعنصرية بينهم عنصريون، لذا لا يمكن التعميم، كما لا يمكن اعتبار مشاكل البطالة أو عمل الأجانب تعود بالدرجة الاولى لأسباب عنصرية بالرغم من أنها واقع اجتماعي يحتاج إلى المعالجة.

وتبقى التساؤلات مطروحة حول سبل تفادي تكرار ما حصل، وحول أنجع الطرق لتحقيق السلم الاجتماعي والتعايش بين أبناء المجتمع الواحد. وهو ما سنسعى اليه في العدد القادم بإذن الله، مع متابعة تطورات بحث مذكرة مكافحة الاسلاموفوبيا في المجلس النيابي الفدرالي بأوتاوا وقانون حيادية الدولة في كيبيك.

صدى المشرق

Facebook Comments