صناعةُ سياراتِ الأجرة: شؤونٌ وشجونٌ (الجزء الثاني)

No Comment
Headlinesجاليةكندا
122
0

ترافِس كالَنِك، الشريك المؤسس في شركة “أوبَر” ورئيسها التنفيذي، الصورة تعود إلى عام 2003، المصدر:

Heisenberg Media – Flickr: Travis Kalanick LeWeb Day 1 – Dan Taylor/Heisenberg Media, CC BY 2.0, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=30308095

حبيب زعرور

في حوارٍ مع عارف سالم، مسئول النقلِ في بلديةِ مونتريال

في الثالث والعشرين من الشهر الماضي، انطلقت أمام مقر بلدية مونتريال، حملة لتقديم الصورة الخارجية الجديدة الموحدة لسيارات الأجرة، فعُرِض نموذج السيارة التي تحمل على جانبيها عبارة “صباح الخير”، وهي عبارة الترحيب التقليدية الخاصة باللغة الفرنسية، وذلك ضمن حملة ترويجية شاملة كلفت البلدية مبلغ 90 ألف دولار وأثارت حفيظة المنتقدين. السيد عارف سالم دافع عن الفكرة، معتبراً أن سمعة صناعة سيارات الأجرة قد تراجعت في الفترة الأخيرة، سيما بعد دخول سيارات “تي إي أوْ” الكهربائية وخدمات برنامج “أوبر”، ما دفعنا للتفكير بطريقة نعيد بها الاعتبار للمهنة التقليدية ولصناعة التكسي بمجملها، فكان لا بد من حملة تسويق واسعة تشمل تحديث الشكل ورسم صورة “يذكرها التاريخ”، تشكل “صدمة” ضرورية لإعادة الاعتبار لهذه المهنة القديمة جداً. وللبلدية شركاء أساسيون في هذه العملية، منهم مطار مونتريال الدولي و”كازينو” مونتريال.. ساهموا في دعم الحملة، فالبلدية وشركاؤها يعتبرون سائقي سيارات الأجرة “سفراء متجولين” للمدينة، وعليهم أن يعكسوا جمال صورتها. يشمل المبلغ تأهيل 16 سيارة كهدية للسائقين الستة عشر الأوائل في اختيار لأفضل السائقين حسب تقارير “الزبون الخفي”، كما ستوضع سيارة باستمرار أمام مبنى البلدية وأماكن أخرى حساسة كالمطار والكازينو وغيرها، وذلك في ما تعتبره البلدية استثماراً مهماً لدعم عملية تطوير القطاع. مع الاشارة الى أن تغيير الشكل ليكون إلزامياً في خلال المرحلة التجريبية، وإلى أن محاولة مماثلة انطلقت مطلع الشهر الحالي في العاصمة كيبيك.

من تحسين صورة سيارة الأجرة التقليدية، انتقلنا للحديث عن تأثير دخول تطبيق “أوبر” إلى سوق كيبيك، فربط السيد سالم بين ضرورة تحسين الصورة والرد على منافسة هذا التطبيق. أما عن العلاقة مع إدارة “أوبر” فقد مرت بمراحل ثلاث. وكان التطبيق في المرحلة الأولى مخالفاً، فشهدنا مصادمات بين السائقين التقليديين ومستخدمي التطبيق الجديد، وموجة احتجاجات، ما استدعى الدخول في مفاوضات شاقة ومعقدة، فتدخلت في المرحلة الثانية الحكومة والبلدية بقوة لتفرض اتفاقاً أرغم ادارة “أوبر” على تسديد مليون وستمائة ألف دولار، وعلى تسديد الرسوم المتوجة بموجب تصريح اجباري، بالإضافة الى مبلغ دولار واحد عن كل عملية في المرحلة الثالثة، التي هي قيد التنفيذ الآن بانتظار انقضاء مهلة الاختبار المحددة للاتفاق. كما أن الحكومة في كيبيك جادة في بحث كل الاقتراحات المقدمة للتعويض على أصحاب الرخص المتضررين، بشكل أو بآخر.

حول تشجيع البلدية والحكومة على استخدام السيارات الكهربائية، أعلمنا السيد سالم أنه مع حلول شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي ستكون 400 منصة تزويد بالطاقة الكهربائية جاهزة للاستخدام في كل أرجاء مدينة مونتريال، لتصبح بذلك أول مدينة في قارة أميركا الشمالية توفر لمستخدمي السيارات الكهربائية محطات التزود بالطاقة بهذا المستوى، على أن يصبح العدد مع حلول العام 2020 أكثر من ألف محطة تزويد كهربائية، جاهزة لكل المواطنين. وهكذا تكون مونتريال رائدة مبدأ “إرادة البلديات أقوى من إرادة الحكومات”. كذلك يضيف السيد سالم أن خطط البلدية تقضي بتحويل كل حافلات النقل العام المشترك لتعمل على الطاقة الكهربائية مع حلول العام 2025.

تساؤلات كثيرة يطرحها أصحاب العلاقة اليوم حول مصير صناعة سيارات الأجرة في ضوء التطورات المتسارعة التي عصفت بها في السنوات الأخيرة. من هذه التساؤلات: هل انتهت هذه الصناعة، أم أن مستقبلاً ممكناً لها ما زال بالحسبان؟ وهل ما زال بالإمكان توقع فرص عمل مهمة فيها وعائدات كافية منها، أم أن العمل والاستثمار فيها بات مجازفة محفوفة بالمخاطر؟ الإجابات تأتي بمجملها ايجابية، بالرغم من تشاؤم البعض، الذي رأى أن دخول المنافسة الشرسة لهذا الميدان قد أفقده الكثير من بريقه وجاذبيته السابقة. التفاؤل يكمن في نقاط متعددة، منها الحديث المتداول بكثرة على أكثر من مستوى عن تزايد الاهتمام بها، خاصة الاهتمام الرسمي والحكومي، المترجَم بالخطوات التي بدأت الحكومات والبلديات باتخاذها من أجل تحديث هذه الصناعة، وتقديمها بالمظهر الذي يليق بها، وتوفير الدعم التقني للعاملين بها من أجل تطوير عملهم، خاصة في مجال التكنولوجيا الحديثة في عصر التحول الى الطاقات البديلة كالكهرباء. النقطة الهامة الثانية التي تدعو للتفاؤل بمستقبل صناعة سيارات الأجرة هي الشق المادي من الموضوع، فقد استعادت الصناعة وأصحابها ثقة بيوت المال والمؤسسات التمويلية الكبرى، إضافة الى ما يُشاع عن احتمال دخول رؤوس أموال كبيرة الى هذه الصناعة للمحافظة عليها وتطويرها، ما سيوجِد فرصاً أفضل لتنميتها ودعم استقرارها.

يبقى السؤال الذي يفترض بأصحاب المهنة طرحه: كيف يمكننا تطوير ممارسة هذه المهنة، وما هي الوسائل التي تتيح ذلك، خاصة لمواجهة المخاطر والتحديات، منها المنافسة غير الشرعية في بعض الأحيان؟ أسئلة مشروعة نسمعها منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد آن الأوان للبحث عن ردود عليها. بعض هذه الردود ورد على لسان خبراء بحثوا في جوانب المشاكل التي تواجهها مهنة سيارات الأجرة، وكانت على الشكل التالي:

  • تطوير برامج التأهيل والتدريب لزيادة الكفاءة التنافسية
  • استخدام الوسائل التقنية الحديثة لتخفيف الأعباء ونفقات التشغيل، وتحسين نوعية الخدمة المقدمة للزبائن
  • التحديث المستمر لأساطيل السيارات، واللجوء الى السيارات الحامية للبيئة، كالكهربائية
  • الفحص المستمر للمخاطر الناجمة عن المنافسة على أوسع مستوياتها ضمن إطار المقاطعة وخارجها

بالرغم من كل التطمينات، مخاوف سائقي سيارات الأجرة وأصحاب الرخص باقية على حالها، فهم ما زالوا يشككون بنوايا الحكومة والجهات الرسمية المتعلقة بصناعتهم، خاصة أنهم قد خسروا حتى الآن نصف عائداتهم تقريباً بسبب منافسة “أوبر الدخيلة” إياهم. بينما ترى بلدية مونتريال أن الكرة اليوم أصبحت في ملعب أصحاب الرخص والسيارات وسائقيها، الذين يفترض بهم أن يستفيدوا من الدعم الذي تقدمه لهم الحكومة والبلدية لمساعدتهم على تطوير مهنتهم، وتحسين سمعتها، وحمايتها من المخاطر.

صدى المشرق

إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي موقع من كندا الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها

Facebook Comments