في حفلِ تسلمِها الجنسيةَ الكنديةَ الفخريةَ، ملالا يوسفزاي لممثلي الشعبِ: كندا قادرةٌ على قيادةِ العالمِ لخدمةِ الانسانيةِ (الجزء الأول)

No Comment
Headlinesجاليةدولي
95
0

 

حبيب زعرور – مونتريال

رئيس الحكومة الكندي جوستان ترودو وملالا يوسفزاي

في جلسة استثنائية عاصفة لمجلس العموم الكندي في أوتاوا، حضرها أعضاء مجلس الشيوخ والنواب وعدد كبير من المدعوين، كرمت كندا الناشطةَ الدوليةَ، حاملة جائزة نوبل للسلام، الشابة ملالا يوسفزاي، باكستانية الأصل، بمنحها الجنسية الفخرية الكندية. كان احتفالاً متميزاً ومؤثراً، اختلطت فيه الدموع بالضحكات وتخللته لحظات طويلة من الوقوف والتصفيق الحاد، استهله رئيس الوزراء جستن ترودو بكلمة ترحيبية أشاد بها بالناشطة العالمية، تلته بعدها الزائرة المكرمة بكلمة مطولة تضمنت الكثير من المعاني العميقة والعبارات المؤثرة، توجهت من خلالها الى الحضور، خاصة الى النواب ممثلي الشعب مطالبة بتحملهم مسؤولياتهم بحق المرأة وضمان حق التعلم، وكذلك الى الشباب الكنديين راجية أن تراهم بكميات أكبر في هذه القاعة لدى زيارتها القادمة، في إشارة الى وجوب أن يتحلى الشباب بمسؤولية المشاركة في الحياة العامة والقرار السياسي، خاصة أن الرئيس ترودو هو خير مثال وحافز لهم.

الشابة ملالا ذات شهرة عالمية، وهي لم تبلغ التاسعة عشر من العمر. حائزةٌ على عشرات الجوائز التكريمية، خاصة على جائزة نوبل للسلام بسبب دفاعها المستميت عن حق الفتاة في التعليم، وهي التي عانت من حرمانها من هذا الحق بسبب سيطرة جماعة طالبان المتشددة على بلدتها قبل سنوات، الأمر الذي أدى الى هروبها وأهلها بعد محاولة لاغتيالها.

رئيس الوزراء ترودو قدم ضيفته على أنها شابة مِقدام مجازفة وشجاعة استطاعت أن تقف في وجه العنف الذي تمارسه طالبان في بلدها. “إنها مناضلة ذكية التزمت بقضية تعليم الفتيات منذ السن الثانية عشرة، وهي خير مثال يحتذي به الشباب التواق الى إسماع صوته ولعب دور مؤثر في المجتمع”.

 

في حفلِ تسلمِها الجنسيةَ الكنديةَ الفخريةَ، ملالا يوسفزاي لممثلي الشعبِ: “أهلاً بكم في كندا” هي روحُ الانسانيةِ التي يتوقُ إليها كلُّ مَن يواجهُ الأزمات

 

لم تكن كلمة الناشطة الباكستانية الأصل مجرد سرد أو كلام منمق، بل كانت مهمة صعبة وكلمات اختيرت بعناية، وبأسلوب وصياغة مبسطين يتناسبان مع سن وبراءة قارئتها، لتؤدي الغرض منها، فاستطاعت من خلالها أن تزرع البسمة على وجوه الحاضرين وأن تجعل عيونهم وعيونهن تدمع أحياناً، وهم يقاطعونها مرات عديدة بالتصفيق الحار. كما أبكت والديها اللذين بدَوَا متأثرَين جداً لرهبة الموقف. لقد حملت ملالا يوسف زاي رسالة مهمة الى الحكومة الكندية وإلى النيابيين وإلى الشباب والسيدات الكنديات، وإلى العالم من خلالهم. ونظراً لأهمية ما قالته هذه الشابة الجريئة المتواضعة، ذات الوجه الذي يحمل ملامح الألم والابتسامة المعبرة، حرصت “صدى المشرق” على نقل مقتطفات هامة منها للقارئ العربي.

 

بدأت كلمتها بالبسملة الكريمة وإلقاء التحية بلغات متعددة، متوجهة الى رئيس الوزراء جستن ترودو وزوجته، وإلى رئيس وأعضاء المجلس النيابي من نواب شيوخ، وضيوف النخبة وأصحاب المقام، وإلى أهلها والشعب الكندي، شاكرة الجميع للاستقبال الحار الذي لقيته في كندا. وذكرت في مستهل كلمتها أنها وصلت ووالدها الى مطار تورنتو في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2014، وهو اليوم نفسه الذي وقعت فيه حادثة إطلاق النار في مبنى المجلس النيابي بأوتاوا، فراح ضحيتها مجند كندي من حراس المبنى، وأصيب العديد من الأشخاص في المبنى نفسه “الذي أقف فيه اليوم، ما اضطرنا للمغادرة فوراً والعودة إلى انكلترا بناء على نصيحة عناصر الأمن، على أمل العودة ثانية. الرجل الذي ارتكب الحاثة يومئذ يدعي أنه مسلم، إلا أن إيمانه يختلف عن إيماني أو إيمان مليار ونصف من المسلمين الذين يعيشون بسلامفي العالم. إنه لا يشاركنا الإسلامنفسه،الذي هو دين المعرفة والشفقة والرحمة.أنا مسلمة أعتقد أن منيشهر مسدساً لقتل الأبرياء ليس مسلماً. من ارتكب الحادثة لا يشاركني ايماني، بل تتملكه مشاعر الكراهية والحقد كما تملكت مُرتكب جريمة المسجد الكبير في كيبيك منذ أشهر،فراح ضحيتها أبرياء كانوا يؤدون الصلاة، وتملكت المعتدي في حادثة لندن الأخيرة، وتملكت الذين قتلوا 132 طفلاً في مدرسة عامة في باكستان، وتملكت من حاول اغتيالي قبل أعوام.

 

مثل هؤلاء الأشخاص يحاولون أن يفرقوا بيننا وأن يهدموا ديمقراطيتنا وحريتنا الدينية وحقنا في الحصول على التعليم. إلا أنكم ككنديين رفضتم التفرقة، بغض النظر عن مكان ولادتكم أو ديانتكم، ووقفتم معاً، وخير مثال على ذلك ما قدمتموه وتقدمونه للاجئين اليوم”. حول العالم سمعنا كثيراً عن أفعال الكنديين الذين تسارعوا لاستقدام أكبر عدد من اللاجئين من أنحاء مختلفة، عن طريق الحكومة والأفراد والمؤسسات. كثيرون قدموا إلى كندا فوجدوا مكاناً آمناً وأرضاً واعدة. أعرف الخوف الذي عايشـه كل من لجأ الى كندا، فقد عشته أنا عندما كنت لا أدري إن كنت بأمان أم لا، وعندما كنت أسمع دوي القنابل ليلاً وأفيق صباحاً على أخبار القتلى والضحايا، أو عندما كنت أخشى أن يتعقبني أحد ما وأنا في طريقي الى المدرسة. إن آلاف العائلات في العالم تعيش حالة الخوف هذه.

 

“أهلاً بكم في كندا” أكثرُ من عبارة أو شعار ترحيبي فحسب، بل هي روح الانسانية التي يتوق إليها كل فرد منا عندما يكون، أو عائلته، في أزمة أو خطر. أدعوكم لتُبقوا بيوتكم وقلوبكم مفتوحة لاستقبال الأطفال والعائلات المستضعفين، كما أتمنى أن يتبع جيرانكم (في اشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية) مثالكم. إني أقبل بتواضع الجنسية الفخرية التي منحتموني اياها، في الوقت الذي أعتبر نفسي فخورة بجنسيتي الباكستانية وبالمنطقة التي ولدت فيها. وأنا شاكرة ومقرة بالجميل لأني أصبحت مواطنة فخرية في أمة الأبطال، فلا تعنيني الجنسية بقدر ما يعنيني لقائي بكم وبرئيسِ الوزراء ترودو.

 

وقد أبدت الشابة المكرمة ملالا يوسفزاي إعجابها بشخص رئيس الوزراء الشاب ترودو، وبسياسته لاحتضان اللاجئين، وبحكومته التي تضم مختلف الأصول والأعراق، وبتركيزه على إعطاء دور محوري للمرأة. “لقد تعلمت من ترودو أن أطفال العالم يمكنهم أن يحلموا بالقيادة وأن صوتهم يمكن سماعه في العالم”. وناشدت في كلمتها نساء كندا للمشاركة الفاعلة بالحياة العامة، كما ناشدت الرجال كي يساعدوا النساء للحصول على فرص متساوية. والى كل الزعماء الكنديين المتواجدين في القاعة، قالت: “أعرف أن لكم سياسات مختلفة وأولويات متعددة، لكني أعرف أيضاً أن كلاً منكم يحاول الرد على بعضِ أكثر المشاكل إلحاحاً في العالم.لقد زرت بلداناً متعددة وقابلت الكثير، فوجدت أن المشاكل كثيرة، منها الاستقرار الاقتصادي، والمتغيرات المناخية، والحروب، والمشاكل الصحية… إلا أني أستطيع القول إن الجواب بالنسبة لي هو دائماً “الفتاة”. التعليم الثانوي للفتيات يمكنه أن يغير شكل المجتمعات والدول والعالم، فتعليم المرأة يخلصنا من الكثير من المشاكل ويساعدنا على تكوين أسر سليمة وأطفال أصحاء. والتعليم يخلصنا من الحروب إلى حد كبير، وهو ملازم للاستقرار والأمن، فالتطرف ينشأ حيث الجهل وعدم المساواة، وحيث يشعر المرء أن لا أمل له ولا رجاء ولا صوت يُسمع ولا فرص يحصل عليها. وتعليم المرأة يوجد الأمل بحياة أفضل وبتربية صالحة لأجيال قادمة. في العالم، أكثر من 130 مليون فتاة محرومة من حق التعليم، كل أملها أن تتمكن من ارتياد المدرسة سبيلاً إلى مستقبل أفضل.

 

أعرف أن السياسيين غالباً ما يعجزون عن حفظ وتنفيذ الوعود التي قطعوها كافة، لكن عليهم ألا يتخلوا عن وعدهم بضمان تعليم الفتيات. فإذا فعلنا كسبنا السلام، وضمَنَّا نمو اقتصادنا، وطورنا صحتنا العامة وحسَّنَّا نوعية الهواء الذي نستنشقه… وإلا خسرنا جيلاً آخرَ من الفتيات. أعرف معنى حرمان الفتاة من حقها في التعليم، لذا فأنا أناشد كندا العزيزة كي تقود العالم مرة أخرى فتجعل من تعليم الفتيات محور لقاء قادة مجموعة السبع الكبيرة، فتترأسها العام المقبل، وكي تستخدم نفوذها من أجل تمويل وسد احتياجات برامج التعليم الشاملة في العالم، فكندا تأتي في مقدمة الدول التي لا توفر جهداً في سبيل دعم التنمية الدولية وحماية الأرواح في أنحاء مختلفة من العالم. وأنا واثقة من أن كنداإن تولَّت القيادة سيتبعها العالم بأسره”. كذلك ناشدَت كندا كي تعطي الأولوية المطلَقة لضمان سنوات دراسة كاملة للاجئين، خاصة الفتيات، حتى إكمالهن الدراسة الثانوية (أي 12 سنة كاملة). “يجب ألا ننسى أن أطفال اللاجئين اليوم هم خير قادة يمكننا الاعتماد عليهم للترويج للسلام غداً”.

 

واختتمت كلامها مخاطبة جمهور الحضور الغفير: أيتها الأخوات وأيها الإخوة، علينا أن ننظر إلى داخلنا لنرى الارادة والعزم لفعل ما علينا فعله. علينا مسؤولية تحسين عالمنا، أرجو ألا تجد الأجيال القادمة أكثر من 130 مليون فتاة لم يتمكَّنَّ من متابعة دراستهن أو حتى ارتياد المدرسة، أو ملايينَ الأطفال اللاجئين المُهمَلين عندما تراجعُ هذه الأجيال ما نفعله نحن اليوم. فلْنعمل ما بوسعنا كي تدرك الأجيال القادمة أننا وقفنا صامدين في وجه الصعاب التي تحُول دون تعلم الفتيات والأطفال،الذي يساهم بدوره في ممارسة المرأة والشاب حقهما في قيادة المجتمع من دون خوف.

 

صدى المشرق

 

 

Facebook Comments